الرئيسية 1 من نحن و عن أي برنامج ندافع 1 من هو التوجه القاعدي؟

من هو التوجه القاعدي؟

 

من هو التوجه القاعدي؟

إن التوجه القاعدي تيار طلابي، نشأ من رحم النقاشات والنضالات التي انطلقت من موقع تطوان منذ سنة 1997. تيار لم يظهر منذ اليوم الأول واضح المعالم، مسلحا ببرنامج واضح وممتلكا لتصور واضح، بل مر عبر سيرورة وصيرورة طويلتين من التجربة والخطأ، فتمكن من تحديد هويته وبرنامجه تدريجيا، إلى أن قام بإصدار إعلان مبادئ وبرنامج يتضمن مواقفه من مختلف القضايا (وثيقة: من نحن وعن أي برنامج ندافع)، وهو ما عجزت أغلب التيارات الطلابية الأخرى عن القيام به حتى الآن، وربما إلى الأبد.

كان النصف الثاني من عقد التسعينات حابلا بالكثير من التطورات الهامة للصراع الطبقي بالمغرب. إذ شهد انتعاشة كبيرة للنضال العمالي والشعبي، من بين أبرز مظاهرها الإضراب البطولي لعمال السكك الحديدية، ومختلف المعارك البطولية التي أطلقها المعطلون الخ، كما أن الحركة الطلابية بدورها كانت قد بدأت تشهد نهوضا نضاليا، شمل أغلب المواقع الطلابية، بنفس يساري كفاحي واضح. وفي المقابل شهد النظام القائم آنذاك تعمق أزمته على كافة المستويات، وهو ما اعترف به الحسن الثاني نفسه في خطابه الشهير عن السكتة القلبية.

في نفس ذلك السياق عبرت القوى الإصلاحية (الاتحاد الاشتراكي، الخ) عن طبيعتها الحقيقية، وعن إفلاسها التاريخي وخيانتها للديمقراطية ومصالح الشعب، حيث سارعت إلى إنقاذ النظام الدكتاتوري، كما هي عادتها دائما، وقدمت له ظهرها جسرا يمر فوقه من الأزمة ويحقق”الانتقال السلس” للسلطة من الأب إلى الابن، فوافقت على دستور ممنوح، يكرس الاستبداد والحكم الفردي (1996)، ووافقت على مقترح المشاركة في حكومة الدكتاتور.

كانت دماء الحركة الطلابية آنذاك قد تجددت نسبيا بجيل من الشباب لم يعيشوا انهيار جدار برلين وكل ما تسبب فيه على المستوى الفكري والنفسي لبعض القيادات “القديمة”، كما لم يشهدوا بشكل شخصي الهجوم الظلامي/ المخابراتي على الجامعة (1991)، شباب أنتجتهم النضالات التلاميذية ضد تردي ظروف التعليم، والنضالات ضد حرب الخليج الأولى، الخ.

في ظل هذا الوضع العام كانت التيارات القاعدية الثلاثة: النهج القاعدي الديمقراطي، القاعديون التقدميون، القاعديون- وجهة نظر الكراسة، تعاني جميعها من أزمة خانقة أبرز سماتها – من وجهة نظرنا- الاقتتال الداخلي، خاصة بين تيارات النهج القاعدي الديمقراطي (تيارات تنسب إلى السنوات 94- 96، بل وحتى إلى الحيوانات “الفئران”، الخ)، والعجز عن تقديم إجابات ملموسة على الإشكالات المطروحة أمام الحركة الطلابية آنذاك، فأحد تلك التيارات استمر متشبثا بثلاث نقاط عامة يطلق عليها اسم “البرنامج”، و”الإجابة العلمية”. والتياران الآخران استمرا متشبثان بوجهتي نظر إحداهما طرحت منذ ما يزيد عن عقد من الزمان (الكراسة)، والأخرى قبل خمس سنوات، كلتاهما يؤكدان على ضرورة العمل الوحدوي مع نفس القوى التي كانت تحضر للمشاركة في حكومة الدكتاتور.

هذا الوضع خلق نقاشات نظرية واسعة بين العديد من المناضلين/ ات النقديين؛ نقاشات اتفقت على عمق الأزمة الذاتية وضرورة تجاوزها[1]. فطرح السؤال آنذاك: هل أزمة القاعديين أزمة تاريخية، وبنيوية، أم هي أزمة مؤقتة؟

كانت الإجابة التي اتفقت حولها الأغلبية[2] هي أن أزمة القاعديين ليست تعبيرا عن إفلاس تاريخي، بل هي مرتبطة بجوانب معينة ينبغي العمل على نقدها وتصحيحها. طرحت على بساط البحث مسألة التدقيق في ما هي الماركسية؟ وفجر هذا النقاش نقاشات أخرى: هل الماوية تيار ماركسي، وهل الستالينية تيار ماركسي، وهل التروتسكية تيار ماركسي، الخ. كما طرحت مسألة الموقف من العنف بين التيارات اليسارية، وبينها وبين النظام، وبينها وبين القوى الظلامية. هل نحن مسالمون ننبذ العنف “بمختلف أشكاله”؟ ما هو العنف الثوري ومن يمارسه وضد من يمارس وكيف؟ ومسألة الهيكلة والبيروقراطية، والموقف من القوى الإصلاحية، الخ[3].

 لم يتم حسم الموقف من هذه القضايا بشكل واضح ونهائي منذ البداية، بل جاءت نتيجة مراكمة كمية طويلة. في البداية ظهر للمنخرطين في النقاش، بعضهم على الأقل، أن الحل الأمثل للأزمة هو إعلان كل تلك التيارات القاعدية عن وتخليها جميعا عما يفرقها، وحل نفسها وإعادة تجميع “الذات القاعدية” بعيدا عن الانتماء إلى أوراق أظهر الواقع إفلاسها.

ولتسهيل هذه المهمة التي بدت آنذاك ممكنة التحقيق، تم اقتراح تبني اسم يحمل القطيعة والاستمرارية في نفس الوقت، بدل الانتماء إلى التسميات الموجودة مما قد تثير الخلاف، هذا الاسم كان هو: “التوجه القاعدي”.

طبعا اتضح لاحقا أن جزءا كبيرا من تلك المقترحات كانت ساذجة، لكن المناضلين/ات الذين اقتنعوا بضرورة تطوير التجربة القاعدية بعيدا عن التيارات المذكورة، احتفظوا باسم “التوجه القاعدي”، تعبيرا على الاستمرار في طريق المراكمة لتلك القطيعة.

شهد موقع تطوان آنذاك زخما نضاليا عارما، ساهم فيه إلى حد معين ذلك العمل الوحدوي على علاته. في نفس الفترة تأسست كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، والتي شهدت إنزالا كبيرا للقوى الظلامية، فاتفق المناضلون على تنظيم زيارات تعبوية، لاقت نجاحا عظيما وتوجت ببناء التوجه القاعدي بها.

إلا أن ظروف النضال في الحركة الطلابية، والحركية المستمرة التي تميزها، إضافة إلى غياب تنظيم ممركز، بتصور واضح، جعلت التجربتين تتطوران بشكل مختلف. إلى أن انقطعت الأواصر تماما، خاصة مع ما شهده موقع طنجة من خروج القيادات المؤسسة للتجربة من الجامعة، فاستولت على التجربة بعض العناصر المتحلقة حول جمعية للدروس الخصوصية بطنجة على التجربة. لقد استفادت تلك العناصر من فراغ الجامعة من القيادات المؤسسة، كما استفادت من إمكانياتها المادية الضخمة (المجهولة المصدر لحد الآن)، فربطت تجربة التوجه القاعدي بطنجة بقاطرتها، وبعد ذلك بقاذرة مجموعة أطاك طنجة، والتي ليست في الواقع سوى القناع الآخر لنفس الوجه –وجه جمعية الدروس الخصوصية والنشاط المذكورة-.

في الواقع سببت تلك العناصر، بممارساتها وسمعتها، وما تزال، ضررا كبيرا للتوجه القاعدي –الخط العمالي داخل الحركة الطلابية المغربية-، ولبسا كبيرا بين المتعاطفين والمهتمين. وهو ما نتمنى أن نكون قد ساهمنا في هذه الورقة في إزالته، وبالمناسبة ندعو كل المناضلين والمناضلات الذين ساهموا في بناء التجربة منذ أواخر التسعينات، حتى هؤلاء الذين واللائي اختلفت بيننا وبينهم الطرق، مؤقتا أو نهائيا، إلى المساهمة في تدقيق هذه النبذة ونقدها، خدمة للتجربة وللحركة الطلابية عموما.

هوامش:

[1]: غني عن الذكر هنا أن هناك مناضلون/ ات آخرون أنكروا أصلا وجود الأزمة، واعتبروا أن القاعديين يعيشون في أفضل العوالم الممكنة.

[2]: أما المناضلين /ات الذين تبنوا موقف الإفلاس التاريخي فقد انشقوا نهائيا ليلتحقوا بتيار جديد آنذاك.

[3]: إننا إذ نوضح الخطوط العريضة للنقاشات التي طرحت آنذاك، بعد أزيد من عقد من الزمان، ننبه القارئ إلى أن هذه النقاشات لم تكن آنذاك تطرح بهذا الوضوح، وبشكل منظم ومنهجي. أو تراكم فيها خلاصات، وكل مطلع على طريقة النقاشات داخل الحركة الطلابية، خاصة في ظروف الغليان النضالي والجدالات، يفهم هذه المسألة.