الرئيسية 1 تحليلات ماركسية 1 في الذكرى السابعة والعشرين لاغتيال المناضل الماركسي حسين مروه

في الذكرى السابعة والعشرين لاغتيال المناضل الماركسي حسين مروه

في السابع عشر من شهر فبراير 1987، وبينما كان المناضل الماركسي حسين مروة ذو الثمانين عاما طريح الفراش، كان موعد اغتياله السياسي قد آن من خلال كاتم الصوت الذي أفرغه أفراد من عصابات (أمل) الشيعية في صدره، لِيغتالوا فيه المناضل التقدمي؛ والمسؤول الشيوعي؛ والصحافي الكبير؛ والمثقف المبدع، مثلما فعل زملائهم من قبل من حملة الأفكار الفاشستية في حق مناضلين شيوعيين ومفكرين آخرين كانوا مفخرة لطبقتهم ولشعوبهم وللعالم بأسره.

لقد كان محقا حسين مروة حينما قرر أن يختار العبارة التالية عنوانا لسيرته الذاتية: “ولدت شيخا وأموت طفلا”، لكونها تعبر بعمق عن مسار تطوره الفكري والنظري. فهو المولود بقرية مِن قرى جبل عامل بلبنان سنة 1908، مما جعله يدخل حوزة النجف سنة 1924، واعتمار العمامة منذ نعومة أظافره. أراد له والده أن يخلفه في مكانته الدينية، ومات الأب وظل حسين مروه يطمح إلى تحقيق رغبته، مع أن الحالة المعاشية لا تسمح بالسفر إلى بيروت فكيف إلى النَّجف، شدَّ الرحال بمساعدة المحسنين، حسب عبارته، التي وردت في سيرته الذاتية المومئ إليها انفا، “حسين مروة ولدتُ شيخًا وأموت طفلاً”، والتي سجلها وحررها له الكاتب والشَّاعر عباس بيضون. لكن اهتمامه بالأحداث التاريخية التي كان العالم يحيا على ايقاعاتها بالإضافة الى اهتمامه المبكر بالفلسفة والعلوم حوّل طريقه ومساره، وهكذا ومن النجف نفسها، دخل ماركس حياته.

عموما فإن ما يهمنا هنا، من واقعة اغتياله السياسي من قبل القوى الأصولية، هو التأكيد على أن اغتياله لم يكن تطرفا ذاتيا قام به البعض في وجه مفكر “حر”، وأنه ليس كما يدعي البعض، ينبغي علينا تناسيه بحجة أن “الواقع قد تغير”، أو أن تتم فقط الدعوة الى “معاقبة من قاموا به وستعود المياه الى مجاريها”، إلخ، فكل هذه الرؤى تعمل على تضليل البعد العميق لاغتيال حسين مروه السياسي. إن ما حدث لمروه ولغيره من الماركسيين في أواخر سنوات الثمانينيات هو محاولة رجعية طبقية لاستئصال مشروع حزبي طبقي نقيض هو مشروع الطبقة العاملة، وهو المشروع الذي تعبر عنه النظرية الماركسية. فسواء تعلق الأمر بالجناح الليبرالي أو الجناح الأصولي من الطبقة البرجوازية المسيطرة فإن كليهما يشنان حربا أيديولوجية شنعاء ضد النظرية الماركسية وضد البحث الرئيس لمروه والمعنون ب: “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” فإذا كان الجناح الأصولي قد اختار طريق العنف المباشر من اجل القيام بذلك، فإن الجناح الليبرالي يستأصله من خلال الرفض الصريح أحيانا والمضمر أحيانا أخرى، لأي محاولة جدية للبحث في التراث العربي الإسلامي على نحو مادي جدلي تاريخي.

إن أهم ما يميز عمل مروه الرئيس “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” هو الحضور الخلاق للمنهج المادي الجدلي التاريخي من خلال الاستناد على تعاليم كل من ماركس انجلس ولينين بهذا الصدد ونضالهم ضد كل المناهج والأفكار الوضعية والمثالية واللاعرفانية. فعنوان الكتاب يكاد يلخص مجمل الأفكار الواردة فيه وكذا المسار الذي سلكه مروه في عملية تملكه المعرفي لموضوع التراث الفلسفي العربي الإسلامي. واستطاع مروه أن يبين على أن الفلسفة العربية الإسلامية لم تكن أحادية الجانب وتمكن أيضا من توظيف الجدل على نحو خلاق خاصة إذا اخذنا بعين الاعتبار رؤيته الجدلية للمقولة الماركسية الشهيرة القائلة بأنه في تاريخ الفلسفة خطان متصارعان خط مثالي وخط مادي، فهو لم يستنتج من هذه المقولة استنتاجا ميكانيكيا مفاده: إما أن تكون الفلسفة مادية أو مثالية، إما أن يكون الفيلسوف ماديا أو مثاليا، إما هذا وإما ذاك. مما يعني الرفض المعلن لاحتمال رصد عناصر مثالية في فلسفة مادية وعناصر مادية في فلسفة مثالية، بمعنى رفض وحدة وصراع المتناقضات. ها هنا نرى من المهم ذكر ما سبق ذكره من قبل كل من “آلان وودز” و”تيد غرانت” في هذا الصدد في مؤلفهما “العقل في ثورة” بحيث أعلنا ما يلي: تكمن جدة هيجل في

كونه أبان على أن الطريقة الوحيدة لتجاوز مشكلة “المتناقضات” عند “كانط”، هي تقبل أن المتناقضات لا توجد فقط في الفكر، وإنما أيضا في العالم الواقعي. فمن موقعه كمثالي موضوعي، رفض “هيجل” منذ البدء حجة المثاليين الذاتيين الذين يعتبرون أن الوعي الإنساني لا يمكنه البتة إدراك العالم الواقعي. فبالنسبة إليه، ينبغي على أشكال التفكير عكس العالم الموضوعي قدر الإمكان. إن عملية المعرفة تتألف، في الواقع، من اختراقها الدائم الاكثر عمقا إلى الواقع، ماضية قدما من المجرد إلى العيني (المشخص)، من المدرك إلى اللامدرك، من الجزئي إلى العام والكوني.

وتأسيسا على المنطلق الجدلي المعروض انفا الذي يتجاوز التصور الميكانيكي “إما هذا وإما ذاك”، تجدر الإشارة الى أن هذه الذكرى السابعة والعشرين لوفاة المناضل الماركسي حسين مروه لن تمنعنا من الإشارة الى ما يمكننا ضبطه تحت مسمى النظرية المرحلية للثورة وبعض المواقف الستالينية التي يمكننا أن نجدها واضحة على نحو صارخ حالما نتقصى موقفه حول النظام البونابرتي في مصر بقيادة جمال عبدالناصر وسوريا أيضا، ومن إشارات الى ضرورة دعم هذه الأنظمة حتى في مقدمة مؤلفه المذكور انفا. أما السبب الرئيس وراء تسرب هذه المواقف الى حسين مروه هو الميل والخط العام لجل الأحزاب الشيوعية العالمية والعربية أيضا وكذا للتضليل الأيديولوجي الذي قام به كل من المعسكر الغربي الرأسمالي والشرقي البيروقراطي حول أعمال ومؤلفات تروتسكي العسكرية والاقتصادية والفلسفية إلخ إلا أن هذا لا ينبغي أن يمنعنا من الاعتراف بأن كتاب ” النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” الذي كتبه “مروه” وعمره يناهز الستين عاما، كتاب ينبغي ألا يغيب عن مكتبة كل مناضل ماركسي، إنه سلاح علمي في وجه الرجعية بشتى أشكالها الأيديولوجية.

تمثل نتاجات مروة الفلسفية وإبداعاته الفكرية القبس الذي نسترشد من ضيائه، وذلك عبر ربطه مهماته الفكرية كفيلسوف بالمهمات النضالية كمناضل، وارتباط نهجه الفكري بالمنهج المبدئي ارتباطا عضويا وجديا، ولكون نتاجاته الفلسفية والأدبية قد غيرت وجه العالم العربي مثلما غيرت أصول الفلسفة الماركسية وجه العالم بدلا من تفسيره بحسب الفلسفات المثالية والميتافيزيقية.

انطلق مروه في مسيرته الفكرية من التراث، وعاد أيضا إليه، لكنه لم يعد إليه كما انطلق منه، عاد إليه ماركسيا، ماديا جدليا تاريخيا، ها هنا صار ذلك التراث أغنى وبان فيه العلمي من الغير العلمي، الجدلي من الغير الجدلي، والمادي والغير المادي.

 

 

جريدة الشيوعي، العدد 12، مارس 2014