الرئيسية 1 أوطم 1 التحركات التلاميذية الأخيرة على خلفية برنامج “مسار” “رجعو التلامذة ياعم حمزة للجد ثاني!”

التحركات التلاميذية الأخيرة على خلفية برنامج “مسار” “رجعو التلامذة ياعم حمزة للجد ثاني!”

التوجه القاعدي
الاثنين: 10 فبراير 2014

تعيش المؤسسات التعليمية بالمغرب منذ حوالي الأسبوع على وقع احتجاجات عارمة يخوضها التلاميذ والتلميذات. السبب المباشر لهذه الاحتجاجات هو رفضهم للبرنامج الجديد الذي اعتمدته وزارة التعليم مؤخرا، والذي أطلقت عليه اسم البرنامج المعلوماتي لتدبير النقط، والمسمى اختصارا برنامج مسار.

بلغت هذه الاحتجاجات درجة فاجئت الكثيرين، حيث عمت أغلب مناطق المغرب بما فيها بعض البلدات الصغيرة، كما وصلت إلى حد قيام التلاميذ بمحاصرة مقر سكن رئيس الحكومة بنكيران بالرباط.

لقد اندلعت هذه الاحتجاجات وكأنها برق نزل من سماء صيف صافية. حتى أن الدولة ومخابراتها وقوات قمعها وقفت مشدوهة أمام حجم وعمق الحركة، وكفاحيتها. وفي هذا السياق اعترف وزير التربية الوطنية بلمختار، في مؤتمر صحفي عقده بمقر الوزارة في الرباط يوم الأربعاء 05 فبراير 2014، بأنه تفاجئ بحجم رد الفعل الذي عبر عنه التلاميذ. ولا حاجة لنا في الحديث عن “الخبراء” الذين لا خبرة لهم سوى الكلام الفارغ، والصحفيين الذين يجيدون توقع الأحداث بعد وقوعها. كلهم أصيبوا بالذعر الشديد وصاروا يتسائلون ما الذي حصل؟ ما هو برنامج مسار هذا؟ وماذا يريد هؤلاء التلاميذ؟

من وجهة نظرنا نحن الماركسيين ليس برنامج مسار، وبغض النظر عما يعتقده حتى المنخرطون الفعليون في النضال أنفسهم، سوى القطرة التي أفاضت برميلا مليئا بعوامل الانفجار، لكن رغم ذلك نرى أنه من المفيد تقديم تعريف ولو موجز بهذا البرنامج وموقفنا منه قبل أن ننتقل إلى نقاش المعنى الحقيقي لهذه التحركات وتصورنا للمسار الذي عليها أن تسير فيه والشعارات التي ينبغي رفعها وطرق التنظيم الكفيلة بجعل الحراك الحالي يتطور ويتسع ويتعمق في الاتجاه الصحيح.

ما هو برنامج مسار؟

في سياق محاولة وزير التعليم محاصرة التحركات التلاميذية، سارع إلى تنظيم الكثير من الخرجات الإعلامية كان آخرها المؤتمر الصحفي بالرباط. وخلال ذلك المؤتمر أكد أن “برنامج مسار مجرد نظام معلوماتي هدفه إدماج تكنولوجيا الاتصال في المنظومة التربوية وإرساء مبدأ الحكامة في تدبير النظام المدرسي”. وقال عنه إنه مشروع وطني متكامل يتوخى:

  • جعل المؤسسة التعليمية في قلب اهتمامات قطاع التعليم المدرسي

  • تعزيز دور الحكامة في النظام التربوي، عبر توفير قاعدة معطيات وطنية شاملة توفر إمكانية التتبع الفردي للمسار الدراسي للتلاميذ، ومواكبة مجهوداتهم وتحصيلهم الدراسي، ومسك نقط مراقبتهم المستمرة.

  • ضبط عملية الدخول المدرسي من خلال السير الجيد لعملية التسجيل وإعادة التسجيل، والإدماج وضبط الانتقالات الفردية والجماعية، والتوجيه وتكوين الفصول الدراسية والبنية التربوية.

  • تعزيز مقومات التقويم التربوي عبر أجرأة المراقبة المستمرة، وتحديد مواعيد الامتحانات الإشهادية.

  • تدبير الموارد البشرية والزمن الدراسي عبر آليات معلوماتية دقيقة، تروم تحديد استعمالات الزمن وقاعات متابعة الدروس، وتتبع غيابات التلاميذ ورصد التأخيرات، والتحكم في مستويات الغيابات والانتقالات والتكليفات الجديدة

  • ضبط آليات منح النقط الإدارية ونقط التفتيش التربوي.

  • مواكبة الحياة المدرسية عبر التتبع الفردي لأداء التلاميذ، وتعزيز اليقظة التربوية وتفعيل الدعم المدرسي وتحسين أداء الرياضة المدرسية.

  • سيمكن من تقوية النظام التعليمي الوطني وسيضمن كذلك مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص بين التلاميذ.

  • سيمكن أولياء التلاميذ من التعرف مباشرة على نقاط أبنائهم وكذا مواعيد المراقبة المستمرة، والاستعلام حول استعمالات الزمن وطلب مواعيد مع الإدارة عبر الانترنت، الخ.

بل إن هذا البرنامج العجيب لم يغفل حتى البيئة والأشجار من حسناته، حيث يأتي حسب الوزير لمواكبة التطورات العالمية في ما يتعلق بالعمل في وسط بيئي نظيف يحترم شروط الحفاظ على البيئة ويتجاوز السلبيات الناجمة عن الاعتماد على المحتوى الورقي !!!

وبما أنه ربما أذكى من رئيسه في الحكومة وبالتالي يعلم علم اليقين أن المغاربة ليسوا أغبياء ليصدقوا الأكاذيب حول المن والسلوى التي يعدونهم بها في كل مرة يريدون فيها تطبيق “إصلاح جديد”، ولكي يضفي نوعا من الموضوعية على عرضه للبرنامج، اضطر في نفس الندوة إلى الاعتراف بما أسماه “التعثرات” التي يعرفها البرنامج.

لكنه تدارك الأمر بأن طالب بعدم “الحكم عليه بالفشل قبل إدخاله إلى مجال التجريب”، نعم معالي الوزير لا مشكلة في بعض “التجريب”، فقد مرت لحد الآن 60 سنة من “التجريب” ماذا سيضرنا لو أضفنا عليها سنوات أخرى؟ خاصة وأن أبنائك وأبناء طبقتك من كبار الرأسماليين في مأمن من نتائج “التجريب” لأنهم لا يدرسون في مدارسنا، أما نحن فمجرد فئران تجارب، لا بأس إذن من التجريب.

ولكي تتمكن حملة “التوضيح” هذه من بلوغ أهدافها كاملة صاحبتها بطبيعة الحال حملة موازية من الافتراءات على التلاميذ المحتجين والارهاب النفسي ضدهم وحتى ضد أوليائهم وأساتذتهم. إذ كيف لهم أن يرفضوا برنامجا بهذه الروعة وكل هذه الآفاق المشرقة؟ لا بد أنهم مجرد كسالى أو مستفيدين من ريع النقط، كما أنهم مجرد مغرر بهم من طرف أساتذتهم، الخ الخ.

الشيء الإيجابي في كل هذا هو أنه فضح ضعف الدولة ودرجة الرعب الذي تعيشه الطبقة السائدة من أي تحرك جماهيري. لقد وقف جهاز الدولة مشلولا امام هذه التحركات ولم يتجرأ جهاز القمع على الدخول في مواجهة مباشرة مع التلاميذ خوفا منه من إحتمال اتساع موجة الاحتجاجات والتحاق فئات أخرى من المضطهدين بها. وبسبب هذا العجز إضطرت الدولة إلى تبني سياسة “الانفتاح” ودفعت بذلك الوزير العجوز، الذي لم يظهر في أية مناسبة منذ تنصيبه، إلى تنظيم اللقاءات والمؤتمرات الواحدة تلو الأخرى.

كما أن هؤلاء الشباب تعلموا درسا ملموسا في طريقة تعامل وسائل الإعلام البرجوازية معهم ومع مطالبهم، فهم “طيبون” و”فلذات أكباد” ما داموا صامتين ومستسلمين لما يفرض عليهم من مخططات، وما يمارس عليهم من تجارب، لكنهم يصيرون مجرد “كسالى” و”أوغاد” بمجرد أن ينهضوا للتعبير عن رفضهم لمظهر من مظاهر معاناتهم.

من يقف وراء تحركات التلاميذ؟

هذا هو السؤال الذي لم يتوقف المسؤولون ووسائل الإعلام عن ترديده منذ اندلاع الاحتجاجات. وحتى وزير التعليم نفسه تحدث في تصريحه لمسائية دوزيم أن التلاميذ “قيل لهم”، كما تحدث عن استعمال البعض للاشاعات، الخ.

إنهم ينطلقون في نظرتهم إلى الواقع من مجموعة من المواقف التي يعتبرونها مسلمات وحقائق لا تقبل النقاش، أولها أن التلاميذ، والجماهير عموما، ليسوا سوى حشود من الجهلة والأغبياء، يستطيع أي كان التغرير بهم وحملهم على القيام بأعمال مضرة بصحتهم. ولكي تكتمل المعادلة لا بد من وجود متآمرين أشرار بالغي الذكاء والحقد، يتقنون المؤامرات والدسائس، يتغلغلون بين اوساط تلك الحشود ويعملون على التغرير بها، وتحريضها على القيام بأشياء لا تليق. فلا يبقى لحل اللغز سوى كشف الستار عنهم.

إن هذه النظرة إلى الجماهيرهي موقف طبقي، وهي قناعة منغرسة بعمق في فكر الطبقة السائدة وفكر منظريها لذلك لا يفهمون كيف يمكن لتلك الجماهير أن تنهض لوحدها، لتأخذ مصيرها بأيديها وتصيح في وجه مضطهديها: كفى !

كما أن هؤلاء السادة والسيدات المسؤولين عبيد بكل معني الكلمة، والعبودية منغرسة في أعمق أعماقهم، إنهم لا يتحركون إلا إذا جاءتهم إشارة “من فوق”، ينتظرون الأوامر من القصر ومن صندوق النقد ومن دوائر القرار في فرنسا وأمريكا وبروكسيل الخ، لذلك فإنهم يعتقدون أن الجميع مثلهم. ولذا فإنه من الطبيعي أن يتسائلوا عمن أعطى الأوامر بالتحرك.

ومن المسلمات التي ينطلقون منها كذلك هي كونهم يعتبرون أن نظامهم أفضل الأنظمة الممكنة، وأن سياساتهم أفضل السياسات الممكنة، هم مرتاحون وكل شيء حولهم جميل، لذلك لا يفهمون لماذا يمكن لأي عاقل أن ينهض إلى الاحتجاج على هذه الأوضاع، إلا إذا كان وراءه محرض حاقد؟

ما لا يفسره لنا هؤلاء السادة والسيدات أصحاب نظرية المؤامرة والبحث عن “المحرض الأصلي” هو من أين يستمد ذلك “المحرض” (أو “المحرضون”) قوته وكيف يمكنه أن يتلاعب بعقول آلاف الشباب، وكيف تمكن من الانتصار على وسائل التلاعب بالعقول العديدة التي تمتلكها الطبقة السائدة (من وسائل إعلام، ومؤسسات تعليمية، وسهرات “فنية” الخ) والتي تعمل بها ليل نهار على تخدير وعيهم؟ ثم لماذا تجده يتحرك حينا ولا يتحرك لمدة قد تتجاوز السنة أو السنتين؟ الخ.

إن السؤال المخابراتي عمن يقف وراء هذه التحركات، وبالرغم من أنه يبدو ذكيا ووجيها، إلا أنه أبرز دليل على إفلاس فكر الطبقة السائدة ومنظريها وعجزهم عن فهم أي شيء مما يدور حولهم.

إن الأسباب الحقيقية العميقة للتحركات التلاميذية هي أولا تراكم الغضب بين صفوفهم من السياسة التعليمية بأسرها. وليس برنامج مسار سوى المحفز الذي فجر ذلك الغضب. إن التلاميذ يدرسون في ظل ظروف سيئة جدا، من اكتضاض في الأقسام ومجاعة في الداخليات وسوء معاملة في المؤسسات، إضافة إلى انسداد الآفاق وغيرها من العوامل الكثيرة؛ كل هذا إلى جانب معاناتهم مما يعانيه آباؤهم وامهاتهم من فقر وغلاء وقهر الخ. مما يجعلنا ننظر إلى السبب المباشر، الذي هو برنامج مسار، باعتباره مجرد حادثة أو صدفة عرضية عبرت من خلالها الضرورة عن نفسها.

والدليل على ما نقوله هو تقرير اليونسكو الأخير الذي وضع المغرب في المراتب العشرين الأخيرة عالميا، وحيث ليس وراءنا في منطقة “العالم العربي” سوى الجيبوتي والعراق واليمن.

إن التلاميذ يعرفون جيدا أن التعليم المخصص لهم مجرد مسرحية للضحك عليهم، كما يعرفون جيدا أن التعليم الحقيقي هو امتياز لأبناء الطبقة السائدة، أبناء السيد وزير التعليم وأحفاده والسادة والسيدات الأمراء وكبار الرأسماليين، لتحضيرهم للجلوس في مقاعد آبائهم بعد عمر طويل. يعلمون أن هناك تعليم موجه لإعادة إنتاج العبيد (عمال نصف مؤهلين، موظفين صغار، الخ) وتعليم موجه لإعادة إنتاج الأسياد (حكام ووزراء الغد).

هذا إضافة إلى أن المدرسة مؤسسة قمعية بامتياز. إنها مؤسسة للاستيلاب الايديولوجي، مؤسسة لفرض نوع محدد من الفكر والقيم وطرق التحرك، هو في آخر المطاف فكر وايديولوجية الطبقة السائدة. كما أن أقسام الدراسة التي يكدسون فيها بأعداد هائلة ليست سوى جدران سجن لمنعهم من الخروج إلى الشوارع، خوفا منهم من أن يتسببوا في المشاكل لجهاز القمع ومصالح الطبقة السائدة.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن تحرك التلاميذ في حد ذاته تعبير عن الضغط الموجود في المجتمع بسبب الاستغلال والقهر والغلاء. إنهم يعانون من نفس ما يعانيه آبائهم العمال وصغار التجار والحرفيين والموظفين، الخ، من غلاء وفقر. إن ضرورة الانفجار التي تراكمت شروطها وعواملها قد بلغت نقطة الأزمة وكانت في حاجة إلى صدفة، أو محفز، قد يبدو وكأن لا علاقة له مع تطور الأحداث، فجاء برنامج مسار ليشكل ذلك المحفز (مثلما كانت الصفعة التي تلقاها البوعزيزي في تونس).

موقفنا

إننا نحن الماركسيين نؤيد هذه التحركات وندافع عنها ونتضامن معها بشكل مبدئي. كما أننا نستبشر بها ونعتبرها نسمات موجة نهوض نضالي جديدة بدأت تباشيرها تلوح في الأفق. لقد علمنا التاريخ أن تحرك الطلاب والتلاميذ يكون دائما استباقا للتحرك العمالي والجماهيري الشعبي. غالبا ما يسبق أبناء العمال والفقراء آبائهم وأمهاتهم إلى الشوارع وساحات النضال، وأحيانا كثيرة يكونون سببا في دخولهم ساحة النضال مجددا (انتفاضة 23 مارس 1965 بالمغرب، ثورة ماي 1968 بفرنسا الخ)، هذا بالضبط هو أسوء كوابيس الطبقة السائدة، وهذا هو السبب في الرعب الشديد الذي أصيبت به عندما تحرك التلاميذ.

إلا أنه لا بد لنا أن نؤكد على أننا لا يمكن أن نعارض استعمال التقنيات الحديثة في أي مجال من المجالات، وبالتالي فإننا لا يمكن أن نعارض استعمال المعلوميات في مجال التعليم، بل إن ذلك جزء من مطالبنا وهدف من أهداف نضالنا.

هذا الموقف الماركسي نابع من ايمان عميق بأن التقنيات الجديدة وسيلة فعالة لتسهيل الحياة وخلق الرفاهية وتيسير التواصل. نحن لسنا عدميين أو دعاة رجوع إلى الطبيعة أو ما يطلق عليه الطبيعيون “بساطة وجمال الحياة البدائية”. كلا!

هذا الموقف هو ما جعل الماركسيين الأوائل (خلال القرن التاسع عشر) يدافعون عن استعمال الآلات في المصانع وينتقدون دعاة العودة إلى العمل اليدوي، بحجة أن الآلة تتسبب في البطالة للشغيلة. ورغم أن النضالات العمالية آنذاك كانت تسير في اتجاه تحطيم الآلات، لأنهم كانوا يعتقدون أنها سبب تشردهم، فإن الماركسيين الأوائل استمروا يشرحون للعمال أن الآلة والتقنية وسائل تقدمية، وأن المسؤول عن البطالة هي علاقات الانتاج الرأسمالية التي تستعمل في ظلها تلك الآلات.

شرحوا للعمال أن دخول الآلة إلى معمل يشتغل فيه 100 عامل لمدة 12 ساعة في اليوم، على سبيل المثال، لا يؤدي بالضرورة إلى تشريد 50 عاملا بينما يستمر الخمسون عاملا الآخرون يعملون بواسطة تلك الآلة لمدة 12 ساعة في اليوم كما من قبل، ليس هذا ضروريا إلا في ظل النظام الرأسمالي. أما في ظل النظام الاشتراكي سيصير ممكنا تقسيم ساعات العمل المتوفرة بين جميع العمال مما سيؤدي إلى احتفاظهم جميعا بمناصب شغلهم، لكن مع إنقاص ساعات العمل إلى النصف، فيصير في إمكانهم جميعا أن يشتغلوا فقط 6 ساعات في اليوم. لذا فإن ما يجب تحطيمه ليس الآلة أو التقنية، بل النظام الرأسمالي. وما يجب الوقوف ضده ليس هو التقنية والتطور العلمي، بل حفنة الطفيليات المستولين على وسائل إنتاج الثروة في المجتمع والذين يعيشون على حسابه ويخربونه دون أن ينتجوا شيئا: الرأسماليون.

نفس الشيء نقوله عن برامج المعلوميات واستعمالها الآن في الانتاج والدراسة والتواصل، الخ. يجب أن يكون مطلبنا نحن التلاميذ هو القضاء على طرق التعليم المتخلفة المرتكزة على استعمال المواد الخام: الطباشير والسبورة الخشبية والممسحة القطنية، الخ، وغيرها من بقايا العصر الحجري، والانتقال إلى استعمال الحواسيب المتطورة والتعليم بالطرق الحديثة. أي نفس الطرق التي يتفضلون بها على أبنائهم في مدارسهم الراقية الممولة بثروة بلدنا وضرائبنا وعرق جبين آبائنا وأمهاتنا.

وفي هذا السياق نقول لمنتقدي التحركات التلاميذية الأخيرة إنه ليست ادعاءاتهم بأن التلاميذ المحتجين على برنامج مسار أعداء للتكنولوجيا والمعلوميات سوى أكاذيب. إذ أن هؤلاء الشباب منفتحون فعلا على تلك الوسائل ويحسنون إلى حد بعيد استعمالها والتحكم فيها، وبلغ الكثير منهم مستويات عالية في هذا المجال، رغم أن التعليم المتخلف الذي يتلقونه في المدارس لا يساعدهم في ذلك قيد أنملة: لقد حققوا ذلك بمجهوداتهم الفردية، وبفضل ذكائهم وانفتاحهم وحماسهم للتعاطي مع التكنلوجيا.

من حقهم أن لا يصدقوا أن الحكومة قررت أخيرا استعمال التكنلوجيا لخدمة مصلحتهم. إنهم ينظرون حولهم في مدارسهم فلا يرون سوى طاولات مكسرة، سبورات قديمة حائل لونها، اكتضاض رهيب في الأقسام، خصاص مهول في كل شيء بما في ذلك حتى الطباشير، مراحيض لا تليق حتى بالخنازير، الخ الخ من مظاهر جريمة الطبقة السائدة ودولتها في حق المدرسة العمومية. ثم يأتي هذا العجوز ويقول لهم: سنستعمل التكنلوجيا الحديثة. من الغبي الذي يمكنه أن يصدق هذا الكذب؟

لذا على كل أعداء التحركات التلاميذية أن يغلقوا أفواههم القذرة ويوفروا شروحاتهم الخبيثة لأنفسهم. إن السبب المباشر وراء احتجاجات التلاميذ على البرنامج هو تخوفهم من استعماله (وهذا صحيح) لتحميلهم عبئ أزمة التعليم، وضرب حقهم في التعلم ومواصلة التعلم من خلال التحكم في نسبة النجاح خاصة في مستويات الباكلوريا، باعتبار ذلك هو الحل لمشكلة الاكتضاض الرهيب في الثانويات والجامعات، عوض توفير ثانويات وجامعات جديدة وتوظيف أطر جدد، بما يتطلبه كل ذلك من اعتمادات مالية ترى الطبقة السائدة وأسيادها الإمبرياليون والمؤسسات المالية أنه من الأفضل صرفها في خدمة الديون ومصالح المستثمرين وشرذمة الطفيليات الرأسماليين.

دعونا نعيد الأمور إلى نصابها: ليسو هم من يدافع عن استعمال التكنلوجيات الحديثة في التعليم، بينما نحن التلاميذ والآباء والأساتذة نرفضها. كلا، هذا كذب. فهم من يبني المؤسسات التعليمية وهم من يحدد البرامج الدراسية وهم من يضع مضمونها وشكلها، وهم المسؤولون عن تحديد الميزانية الخاصة به، وبالتالي فإن كل مظاهر التخلف السائدة في التعليم، وبؤس البنية التحتية والاكتضاض في الأقسام والداخليات، الخ هي نتائج لسياستهم منذ عقود طويلة. إنها جرائم هم المسؤولون عنها. بينما كل نضالات الشعب المغربي في ميدان التعليم كانت من أجل تحقيق تعليم ذو جودة عالية، كان هؤلاء، الذين يتهموننا اليوم بالدفاع عن التخلف، هم من يقمعونها ويغرقونها في الدماء.

إن الحكومة ومن ورائها الطبقة السائدة مصلحتهم تقتضي تخريب التعليم الذي يستفيد منه أبناء العمال والفقراء. فهو من وجهة نظرهم مجرد عبئ على ميزانية الدولة، مثله مثل الصحة وغيرها من الخدمات الاجتماعية الموجهة لتحسين ظروف عيشنا نحن الكادحين. ولديهم أوامر مشددة من طرف صندوق النقد تنص على أن مقعد الدراسة يجب أن يقتصر على التعليم الأساسي فقط، أما الثانوي التأهيلي والجامعي فليس كذلك. وبالتالي يجب تقليص اعتمادات التعليم (لاستعمالها في أشياء “أهم”: كخدمة الدين الخارجي وتوفير البنية التحتية للمستثمرين ليسهل عليهم نهب ثروات الوطن وتقديم التعويضات الضخمة للقصر، الخ) وهذا غير ممكن إلا إذا تم حله بإحدى الطريقتين: إما بطريقة الاكتضاض المستعملة لحد الآن والتي لا يمكن مواصلتها لأن الأقسام صارت تضم أزيد من 40 إلى 50 تلميذا والجامعات لم تعد قادرة على استيعاب الطلبة القادمين إليها. وإما عن طريق فرض نخبوية صارمة وتقليص عدد الملتحقين بالتعليم الثانوي والجامعي، بكل الطرق الممكنة، بما فيها التحكم المركزي في نسب النجاح، وبهذه الطريقة تصير المؤسسات المتوفرة “أكثر من كافية”، دون الحاجة إلى إحداث أخرى جديدة، ويصير الأساتذة الحاليون “ليس فقط كافيين بل فائضين عن الحاجة”.. وهذا هو الهدف الرئيس من فرض برنامج مسار الحالي، وليس تطوير التعليم.

مقترحاتنا:

إننا إذ نحيي هذه التحركات، وندين بشدة كل الافتراءات التي قيلت ضدها في وسائل الإعلام، والطريقة الخبيثة التي تم تصوير التلاميذ المحتجين بها باعتبارهم مجرد كسالى الخ. نؤكد على ضرورة تطوير هذه التحركات وتنظيمها، لأن الوقوف في نصف الطريق لا يوصل إلى أي مكان.

أيها التلاميذ والتلميذات، لقد أعطيتم الدليل على قدرتكم على النضال وعلى كفاحيتكم وعلى شجاعتكم. إلا أن هذه التحركات بسبب تشتتها وغياب الأفق والعزلة، الخ، قد تتراجع. لكن المهم هو أننا دخلنا مرحلة جديدة: مرحلة التحركات التلاميذية على الصعيد الوطني. لذلك علينا أن نستعد بشكل أفضل للمعارك المقبلة. وحتى إن تمكنوا من فرض برنامج مسار، فإن ذلك لا يعني انتصارهم، إن أوضاعنا التعليمية مزرية، ومطالبنا عادلة، ولنا كل الحق في مواصلة النضال، والنهوض مجددا حتى تحقيق النصر الأكيد.

علينا أن نمتلك برنامجا للنضال يتضمن مطالبنا مصاغة بشكل دقيق، وفي هذا السياق نقترح عليكم نحن مناضلو التوجه القاعدي، المناضلون الماركسيون داخل صفوف الحركة الطلابية والتلاميذية، برنامجنا ومن بين النقاط التي يتضمنها:

نحن نناضل من أجل تعليم عمومي، مجاني، علمي، علماني، موحد وذو جودة. نناضل من أجل الرفع من الميزانية المخصصة للتعليم إلى ما لا يقل عن 15% من الناتج الداخلي الخام.

ومن أجل:

  • تطبيق مخطط عاجل للأشغال العمومية من أجل توفير بنية تحتية كافية من المدارس والمعاهد، في جميع المدن والقرى والمداشر، ووضعها تحت الرقابة الديموقراطية لمجالس العمال والفلاحين والطلبة والشباب.

  • تحديث المدارس والجامعات الحالية وتجهيزها وبناء مدارس وجامعات ومعاهد جديدة، من جميع التخصصات، بما يكفي للاستجابة لحاجيات البلاد، مفتوحة في وجه أبناء وبنات العمال والمضطهدين، بدون عراقيل من أي نوع.

  • توفير العدد الكافي من الأساتذة والموظفين والعمال، بمناصب شغل قارة وحقوق كاملة.

  • منحة شهرية لجميع الطلاب – أبناء العمال والفلاحين والكادحين- تساوي الحد الأدنى للأجور.

  • توفير ومجانية الخدمات الصحية والمطاعم والنقل الجامعي ذو الجودة، لصالح التلاميذ والطلبة، أبناء الفقراء.

  • رفع الحظر عن الإتحاد الوطني لطلبة المغرب والاعتراف به كممثل شرعي لكل الطلاب المغاربة، في الداخل والخارج.

  • استقلالية الجامعة عن الدولة ووضعها تحت رقابة ممثلي الطلاب – اوطم- والأساتذة والعمال الجامعيين، المنتخبين ديموقراطيا، والنقابات العمالية، في مجلس جامعي بكامل السلطات (الرقابة على الميزانية، على البرامج الدراسية، على الامتحانات وعلى كل الحياة الجامعية.)

  • الاعتراف بالغة الأمازيغية كلغة رسمية، إلى جانب العربية، والحق في التعلم باللغة الأصلية في جميع مناطق البلاد.

  • الوقف النهائي لمسلسل خوصصة التعليم وإعادة تأميم جميع المعاهد الخاصة وإدماجها في القطاع العام.

  • تطهير البرامج الدراسية من جميع المضامين الرجعية، العنصرية، اللاعلمية والمعادية للتقدم.

كما ينبغي علينا أن نشرح مطالبنا في الأحياء التي نقطنها، لكي يصير النضال جماهيريا ينخرط فيه آبائنا وإخواننا وكل حلفائنا بالنظر إلى أن مشاكلنا واحدة في عمقها، وعدونا واحد بالرغم من تعدد أقنعته. كما أنه علينا أن نعمل على كسب الأساتذة إلى صفنا، من خلال شرح مطالبنا لهم ليفهموها بعيدا عن الافتراءات ودعوتهم للنضال معنا من أجل مدرسة عمومية ذات جودة.

علينا أن نعطي لتحركاتنا طابعا منظما من خلال انتخاب لجان معارك في كل مؤسسة تعليمية تضم ممثلين عنا نختارهم من بين التلاميذ والتلميذات الأكثر كفاحية والأكثر اطلاعا على مشاكلنا ومطالبنا وقدرة على التعبير عنها والدفاع المبدئي عنها. ينبغي أن ننتخب قيادة محلية واقليمية وجهوية ووطنية، في أفق تشكيل (إعادة تشكيل) إطار نقابي ندافع بواسطته عن حقوقنا ومطالبنا.

ما الذي يبرر عدم امتلاكنا لإطار نقابي يوحد نضالاتنا ويكون أداة في يدنا للدفاع المنظمة عن مصالحنا؟ العمال لديهم نقابة والفلاحون لديهم نقابة والأساتذة كذلك، الخ. وحتى نحن تلاميذ الثانوي بدورنا كانت لدينا نقابتنا في الماضي. لدينا تقاليد عظيمة في هذا الصدد. ففي 22 أبريل من عام 1972 تم تأسيس النقابة الوطنية للتلاميذ، وقد كانت مشكلة من خلية مركزية في كل مؤسسة تعليمية، إضافة إلى مجلس للمناضلين. كانت القرارات النضالية والمطالب تناقش وتتخذ في التجمعات العامة داخل الثانويات وفي حلقات النقاش. كما كانت هناك لجنة إعلام تسهر على طبع المنشورات وتوزيع المجلة وغيرها من المهام.

إذا كان ذلك ممكنا في بداية السبعينات عندما كانت وسائل الاتصال متخلفة، بل شبه منعدمة، فلماذا لا يكون ذلك ممكنا في وقتنا الحالي؟ لا شيء يمنعنا من التفكير في الخطوة، ونقاشها على أوسع نطاق بيننا نحن تلاميذ المغرب، عبر مواقع التواصل الاجتماعي والحلقيات، والمدونات، الخ. بدءا بفتح نقاش بين التلاميذ والتلميذات الذين برزوا طلائع للنضال خلال التحركات الأخيرة وأبانوا عن كفاحيتهم ووعيهم ومقدرتهم التنظيمية والتعبوية، وتوسيعه على أوسع الجماهير التلاميذية.

سيقول لنا أعدائنا ووسائل إعلامهم: “من أنتم لكي تتدخلوا في تحديد السياسة التعليمية؟ أنتم مجرد كسالى لا تستطيعون كتابة فقرة واحدة بدون خطأ إملائي”. سنضحك ونقول لهم: إذا كنا كذلك فنحن نتاج تعليمكم المفلس، وطرقكم المتخلفة في التدريس. أنتم أيها المجرمون من حولتم المدرسة إلى وسيلة لنشر الجهل وأكاذيبكم وجعلتم المغرب يحتل آخر المراتب.

هذا السؤال يجب أن تطرحوه على أبنائكم الذين تدرسونهم على حسابنا في أرقى المدارس والجامعات في المغرب والخارج. ورغم ذلك لم نسمع أبدا عن ابن وزير صار عالم فيزياء، ولا عن أمير صار مخترعا.

نعم أيها اللصوص نحن نخطأ في الإملاء، وهذا ليس ذنبنا، بل جريمتكم ضدنا، لكننا نعرف جيدا ما هي حقوقنا، وما هو الشيء الأصلح لمستقبلنا ومستقبل بلدنا. نعلم أنكم طفيليات تمتصون دماء هذا الوطن وأنكم المسؤولون عن تخلفه وفقره وخرابه. لذا فإننا ناضلنا خلال السنوات الثلاث الأخيرة من أجل إسقاط فسادكم واستبدادكم وقدمنا شهداء ومعتقلين في سبيل ذلك، وسنستمر في النضال حتى إسقاط نظامكم المتعفن وبناء مغرب العدالة والمساواة والتقدم، مغرب الاشتراكية.